محمد بن جرير الطبري
196
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أمة واحدة ، فبعث الله فيهم لما اختلفوا الأَنبياء والرسل . ولا يضرنا الجهل بوقت ذلك ، كما لا ينفعنا العلم به إذا لم يكن العلم به لله طاعة ، غير أنه أي ذلك كان ، فإن دليل القرآن واضح على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة ، إنما كانوا أمة واحدة على الإِيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به . وذلك إن الله جل وعز قال في السورة التي يذكر فيها يونس : وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ فتوعد جل ذكره على الاختلاف لا على الاجتماع ، ولا على كونهم أمة واحدة ، ولو كان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثم كان الاختلاف بعد ذلك ، لم يكن إلا بانتقال بعضهم إلى الإِيمان ، ولو كان ذلك كذلك لكان الوعد أولى بحكمته جل ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد لأَنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته ، ومحال أن يتوعد في حال التوبة والإِنابة ، ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك . وأما قوله : فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فإنه يعني أنه أرسل رسلا يبشرون من أطاع الله بجزيل الثواب ، وكريم المآب ؛ ويعني بقوله وَمُنْذِرِينَ ينذرون من عصى الله فكفر به ، بشدة العقاب ، وسوء الحساب والخلود في النار وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ يعني بذلك ليحكم إلى الكتاب وهو التوراة بين الناس فيما اختلف المختلفون فيه فأضاف جل ثناؤه الحكم إلى الكتاب ، وأنه الذي يحكم بين الناس دون النبيين والمرسلين ، إذ كان من حكم من النبيين والمرسلين بحكم ، إنما يحكم بمادلهم عليه الكتاب الذي أنزل الله عز وجل ، فكان الكتاب بدلالته على ما دل وصفه على صحته من الحكم حاكما بين الناس ، وإن كان الذي يفصل القضاء بينهم غيره . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ يعني جل ثناؤه بقوله : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ وما اختلف في الكتاب الذي أنزله وهو التوراة ، إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ يعني ، بذلك اليهود من بني إسرائيل ، وهم الذين أوتوا التوراة والعلم بها . والهاء في قوله " أوتوه " عائدة على الكتاب الذي أنزله الله . مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ يعني بذلك : من بعد ما جاءتهم حجج الله وأدلته أن الكتاب الذي اختلفوا فيه وفي أحكامه عند الله ، وأنه الحق الذي لا يسعهم الاختلاف فيه ، ولا العمل بخلاف ما فيه . فأخبر عز ذكره عن اليهود من بني إسرائيل أنهم خالفوا الكتاب التوراة ، واختلفوا فيه على علم منهم ، ما يأتون متعمدين الخلاف على الله فيما خالفوه فيه من أمره وحكم كتابه . ثم أخبر جل ذكره أن تعمدهم الخطيئة التي ارتكبوها ، وركوبهم المعصية التي ركبوها من خلافهم أمره ، إنما كان منهم بغيا بينهم . والبغي مصدر من قول القائل : بغى فلان على فلان بغيا إذا طغى واعتدى عليه فجاوز حده ، ومن ذلك قيل للجرح إذا أمد ، وللبحر إذا كثر ماؤه ففاض وللسحاب إذا وقع بأرض فأخصبت : بغي كل ذلك بمعنى واحد ، وهي زيادته وتجاوز حده . فمعنى قوله جل ثناؤه : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ من ذلك . يقول : لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتابي الذي أنزلته مع نبي عن جهل منهم به ، بل كان اختلافهم فيه ، وخلاف حكمه من بعد ما ثبتت حجته عليهم بغيا بينهم ، طلب الرياسة من بعضهم على بعض ، واستذلالا من بعضهم لبعض . كما : حدثت عن عمار بن الحسن ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع قال : ثم رجع إلى بني إسرائيل في قوله : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ يقول : إلا الذين أوتوا الكتاب والعلم مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ يقول : بغيا على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها وزينتها ، أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس . فبغى بعضهم على بعض ، وضرب بعضهم رقاب بعض . ثم اختلف أهل العربية في " من " التي في قوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ ما حكمها ومعناها ؟ وما المعنى المنتسق في قوله وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ؟ فقال بعضهم : من ذلك للذين أوتوا الكتاب وما بعده صلة له . غير أنه زعم أن معنى الكلام : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه بغيا بينهم من بعد ما جاءتهم البينات . وقد أنكر ذلك بعضهم فقال : لا معنى لما قال هذا القائل ، ولا لتقديم البغي قبل " من " ، لأَن " من " إذا كان الجالب لها البغي ، فخطأ أن تتقدمه لأَن البغي مصدر ، ولا تتقدم صلة المصدر عليه . وزعم المنكر ذلك أن " الذين " مستثنى ، وإن " من بعد ما جاءتهم البينات "